عمر السهروردي

262

عوارف المعارف

قال بعض الحكماء : وجدنا التواضع مع الجهل والبخل أحمد من الكبر مع الأدب والسخاء . وقيل لبعض الحكماء : هل تعرف نعمة لا يحسد عليها ، وبلاء لا يرحم صاحبه عليه ؟ قال : نعم ، أما النعمة فالتواضع ، وأما البلاء فالكبر . والكشف عن حقيقة التواضع أن التواضع رعاية الاعتدال بين الكبر والضعة ، فالكبر رفع الإنسان نفسه فوق قدره ، والضعة وضع الإنسان نفسه مكانا يزرى به ويقضى إلى تضييع حقه . وقد أنفهم من كثير من إشارات المشايخ في شرح التواضع أشياء إلى حد أقاموا التواضع فيه مقام الضعة ، ويلوح فيه الهوى من أوج الإفراد إلى حضيض التفريط ، ويوهم انحرافا عن حد الاعتدال ، ويكون قصدهم في ذلك المبالغة في قمع نفوس المريدين خوفا عليهم من العجب والكبر ، فقل أن ينفك مريد من مبادئ ظهور سلطان الحال من العجب ، حتى لقد نقل عن جمع من الكبار كلمات مؤذية بالإعجاب . وكل ما نقل من ذلك القبيل من المشايخ لبقايا السكر عندهم ، وانحصارهم في مضيق سكر الحال ، وعدم الخروج إلى فضاء الصحو في ابتداء أمرهم ، وذلك إذا حدق صاحب البصيرة نظره يعلم أنه من استراق النفس السمع عند نزول الوارد على القلب ، والنفس إذا استرقت السمع عند ظهور الوارد على القلب ظهرت بصفتها على وجه لا يجفو على الوقت وصلافة الحال . فيكون من ذلك كلمات مؤذنة بالعجب ، كقول بعضهم : من تحت خضراء السماء مثلي ؟ وقول بعضهم : قدمي على رقبة جميع الأولياء ، وكقول بعضهم : أسرجت وألجمت وطفت في أقطار الأرض وقلت هل من مبارز ، فلم يخرج إلى أحد ، إشارة منه في ذلك إلى تفرده في وقته .